القرطبي
312
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فالرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع ، أي لا يخافون عقابا ولا يرجون ثوابا . وجعل لقاء العذاب والثواب لقاء لله تفخيما لهما . وقيل : يجري اللقاء على ظاهره ، وهو الرؤية ، أي لا يطمعون في رؤيتنا . وقال بعض العلماء : لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد ، كقوله تعالى : " ما لكم لا ترجون لله وقارا " ( 1 ) [ نوح : 13 ] . وقال بعضهم : بل يقع بمعناه في كل موضع دل عليه المعنى . قوله تعالى : ( ورضوا بالحياة الدنيا ) أي رضوا بها عوضا من الآخرة فعملوا لها . ( واطمأنوا بها ) أي فرحوا بها وسكنوا إليها ، وأصل اطمأن طأمن طمأنينة ، فقدمت ميمه وزيدت نون وألف وصل ، ذكره الغزنوي . ( والذين هم عن آياتنا ) أي عن أدلتنا ( غافلون ) لا يعتبرون ولا يتفكرون . ( أولئك مأواهم ) أي مثواهم ومقامهم . ( النار بما كانوا يكسبون ) أي من الكفر والتكذيب . قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الأنهار في جنات النعيم ( 9 ) قوله تعالى : ( ( إن الذين آمنوا ) أي صدقوا . ( وعملوا الصالحات يهد يهم ربهم بإيمانهم ) أي يزيدهم ( 2 ) هداية ، كقوله : " والذين اهتدوا زادهم هدى " ( 3 ) [ محمد : 17 ] . وقيل : " يهديهم ربهم بإيمانهم " إلى مكان تجري من تحتهم الأنهار . وقال أبو روق : يهديهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة . وقال عطية : " يهديهم " يثيبهم ويجزيهم . وقال مجاهد : " يهد يهم ربهم " بالنور على الصراط إلى الجنة ، يجعل لهم نورا يمشون به . ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقوي هذا أنه قال : ( يتلقى المؤمن عمله في أحسن صورة فيؤنسه ويهديه ويتلقى الكافر عمله في أقبح صورة فيوحشه ويضله ) . هذا معنى الحديث . وقال ابن جريج : يجعل عملهم هاديا لهم . الحسن : " يهد يهم " يرحمهم . قوله تعالى : ( تجرى من تحتهم الأنهار ) قيل : في الكلام واو محذوفة ، أي وتجري من تحتهم ، أي من تحت بساتينهم . وقيل : من تحت أسرتهم ، وهذا أحسن في النزهة والفرجة .
--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 303 . ( 2 ) في ب : يرزقهم . ( 3 ) راجع ج 16 ص 238 .